الواقدي ( رواية ابن أعثم الكوفي )
207
كتاب الردة ( مع نبذة من فتوح العراق وذكر المثنى بن حارثة الشيباني )
قال : ثم جمع عكرمة أصحابه وسار حتى وافى القوم ، وقد تعبّأ تعبئة الحرب ، فلم يكذب [ 1 ] عكرمة أن حمل عليهم ، واقتتلوا قتالا شديدا ، وجرح عكرمة في رأسه ، وجاء الليل فحجز بين الفريقين ، فلما كان من الغد ، دنا بعضهم من بعض واقتتلوا حتى أمسوا ، والأشعث لا يعلم بشيء من ذلك ، غير أنه طال عليه وعلى من معه الحصار ، واشتد بهم الجوع والعطش ، فأرسل الأشعث إلى زياد أن يعطيه الأمان ولأهل بيته ولعشرة من وجوه أصحابه ، فأجابه زياد إلى ذلك ، وكتب بينهم الكتاب ، فظن أهل الحصن أن الأشعث قد أخذ لهم الأمان بأجمعهم ، فسكتوا ولم يقولوا شيئا ، واتصل الخبر بعكرمة فقال للذين يقاتلونه : يا هؤلاء ، على ما ذا تقاتلون ، فقالوا : نقاتلكم على صاحبنا الأشعث بن قيس ، قال عكرمة : إن صاحبكم قد طلب الأمان ، وهذا كتاب زياد بن لبيد إليّ يخبرني بذلك ، ورمى الكتاب إليهم ، فلما قرأوه قالوا : يا هذا ننصرف ، فلا حاجة لنا في قتالك بعد هذا . ثم انصرف القوم عن محاربة عكرمة ، وهم في ذلك يسبون الأشعث ويلعنونه ، فأنشأ عكرمة يقول : ( من الطويل ) 1 - رددت بني وهب عن الحرب بعد ما * علينا بأسياف حداد تجمّعوا 2 - فجالدتهم صدر النّهار إلى الضّحى * وكافحني منهم همام سميدع [ 2 ] 3 - فلا القوم حامونا [ 3 ] ولا نحن عنهم * ولكنّ صلح القوم أبقى وأودع قال : ثم أقبل عكرمة على أصحابه فقال : سيروا واسرعوا السير إلى إخوانكم من المسلمين ، فإن الأشعث قد طلب الأمان ، فلعله أن يغنم زياد
--> [ 1 ] فلم يكذب : أي لم يلبث . [ 2 ] السّميدع : الكريم السيد الجميل الجسم الموطأ الأكناف ، وقيل : هو الشجاع ، ولا تقل ( السّميدع ) بضم السين ، والذئب يقال له سميدع لسرعته ، والرجل السريع في حوائجه . ( اللسان : سميدع ) وفي القاموس : سميذع بالذال المعجمة . ( القاموس : سميذع ) . [ 3 ] حامونا : رامونا ، أي تمكنوا منا .